الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

99

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

قال الحكيم « 1 » : قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ « 2 » أي في المنام . ورؤيا الأنبياء وحى بخلاف غيرهم ، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس ، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان . وقال الحكيم أيضا : وكل اللّه بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها ، ويضرب لكل على قصته مثلا ، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة ، والآدمي قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما ، فهو يكيده بكل وجه ، ويريد إفساد أموره بكل طريق ، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغافلته عنها . الرؤيا الصالحة جزء من النبوة : وفي البخاري من حديث أنس : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » « 3 » . والمراد غالب رؤيا الصالحين ، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ، ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم ، بخلاف عكسهم ، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلطه عليهم . وقد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة ، مع أن النبوة انقطعت بموته - صلى اللّه عليه وسلم - . وأجيب : بأن الرؤيا إن وقعت منه - صلى اللّه عليه وسلم - فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة ، وإن وقعت من غير النبيّ فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز . وقيل : المعنى أنها جزء من علم النبوة ، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها باق . وتعقب بقول مالك - كما حكاه ابن عبد البر - أنه سئل : أيعبر الرؤيا كل أحد ؟ فقال : أبالنبوة يلعب . ثم قال : الرؤية جزء من النبوة .

--> ( 1 ) هو السابق . ( 2 ) سورة الشورى : 51 . ( 3 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6983 ) في التعبير ، باب : رؤيا الصالحين .